كنت فى زيارة لاحد اقاربى بمستشفى طوارئ المنصورة وهى نفس المستشفى التى امضيت فيها فترة تدريبى كطبيب امتياز... ولكن تلك المرة لم انظر الى المستشفى والى اوضاعها بعين الطبيب .. بل نظرت اليها بعين المواطن...
كان قريبى فى الدور الخامس ..لجات الى احد الاسانسيرات لكى اصل الى الخامس وجدته معطلا .. فبحثت عن اخر ووجدته اخيرا بعد طول بحث وانتظار..
ثم وجدت جوا خانقا اكاد لا اجد فيه بضع ذرات من الاكسجين كى اتنفسه... وعندما سالت عن سر هذا اللهيب والجو الخانق علمت بان التكييف المركزى معطل ...سحقا... اذا كنت لا استطيع ان اتحمل هذا الجو الخانق وغياب الاكسجين من الجو.. فكيف يتحمله المرضى ممن يحتاجون الى عناية خاصة واكسجين نقى وجو مفلتر بما لا يعطى فرصة لانتقال العدوى بين المرضى بعضهم لبعض..
ولكن لا باس فهو نفس الحال فى المستشفى التى اعمل بها حيث ان التكييف معطل عن العمل منذ بداية الصيف وقلت لنفسى ( قد يكون هذا اتجاه وطنى للدولة حيث يعيش الشعب ومرضاه فى ساونا بما يقلل من اوزانهم الزائدة والحفاظ على رشاقة واجسام شعبهم العزيز .. كتر خيرهم ) ثم وصلت الى الدور الخامس حيث يقيم قريبى فى احد العنابر
هنالك كانت الطامة الكبرى... حيث وجدت المرضى متناثرون فى الطرقات خارج العنابر فى منظر غير ادمى بما يقشعر له بدنك ويعتصر به فؤادك..حيث تجدهم بين اقدام المارة والذين لا يالون لهم بالا فيرفعون عنهم ارجلهم كمن يناى من ان تدنس قدميه بقاذورات الطريق ...
ثم نظرت فى الجهة الاخرى فوجدت مشهدا قلما تجده الا فى افلام الرعب الامريكى... فهنالك وجدت اطفالا فى سن الزهور لم يتجاوزوا الخامسة بعد مثناثرون فى احد جوانب الطرقة ينامون على خرق من القماش ... مع لفائف الجبائر التى غطت معظم اجسادهم.. فبالكاد ترى منها وجوههم البرئيه.. ارتجف قلبى لما رايت واحسست باهات كثيرة خرجت من اخمص قدمى حتى وصلت الى اعلى راسى.. تمالكت نفسى.. واستعدت توازنى.. اقتربت من احداهن وداعبت خصيلات شعرها والتى تنسدل على اكتافها كحبات الؤلؤ ..
خاطبتها ( ازيك يا حبيبتى ..
فردت على بصوت طفولى برئ حزين ( الحمد لله)
.. فقلت لها والدموع تكاد ان تزرف من عينى ( انتى كويسة؟ )
فردت علي بصوت خافت يحمل كل معانى الاسى والبؤس ( الحمد لله )
واحببت ان ادخل الى صميم قلبها واحس بخلجات مشاعرها ووطيس وجدانها فسالتها .. ( انتى مبسوطة ؟ ) .. فردت بصوت اقرب الى البكاء منه الى الكلام ( لا)
هنا نزلت الكلمة على قلبى كجبل احد... وحطمت ما تبقى من اجزاءه فهو رد متوقع ولكنه يحمل اشجان واحزان العالم كله فى نبرات وعينى طفلة بريئة .. قد اغتال فرحتها وراحتها نظام فاسد.. لا يهمه سوى بريق السلطة وكرسى الحكم .. لا يهمه مواطنيه من ان يجدو سريرا وضيعا فى وقت مرضهم ..
لا يهمه من ان تنام طفلة بريئة لمن تتجاوز الخامسة فى طرقة احد المستشفيات تداس باقدام الغائدين والرائحين .. لا يهمه ان يستنشق مرضى هذا الشعب هواءا نقيا مكيفا فى اشد شهور الصيف حرارة ورطوبة حتى لا يزدادو بؤسا وشقائا..
واذا كان هذا يحدث فى احد مستشفيات الجامعة والتى تمول تمويلا كبيرا من الدولة وتمول بملايين الجنيهات سنويا من اموال التبرعات الخاصة.. فما هو الحال فى مستشفيات الصحة الاخرى والتى ان دخلت احداها ذات يوم فستجدها اقرب للقبور منها الى واقع الحياة.. ستجدها اصلح لتربية الجياد منها الى استشفاء البشر.
عندما نظرت الى هؤلاء الاطفال وهم مترامين فى الطرقات..بعيون برئية تلمع ببريق دموع مكتومة تملا الام العالم كله.. بملابس ممزقة تنم عن بؤس عميق وفقر مدقع.. راودنى احساسين متناقضين. .. احساس بالحب الجم لهؤلاء الاطفال وتمنيت ان لو تحول قلبى الى مسشتفى لهم لاضمهم بداخله بعيدا عن زهق الحياة المرير..
ثم راودنى احساس اخربالكره لهذ النظام الفاسد ممن تسبب فى اهدار ادمية هذا الشعب واغتيال براءة هؤلاء الاطفال .. ثم خرجت من المستشفى حزينا شريدا لا تقوى قدمى على حمل جسدى مستعينا بربى وداعيا على هؤلاء الشرزمة ممن اهدرو حق هذا الشعب فى حياة كريمة واغتالوا براءة اطفاله فى مهدها..
كتبها لكم د . صادق الرخ
كتبها د.صادق الرخ في 09:45 صباحاً ::
أيوه كده ... يا دكتور صادق ... عوداً حميداً ...وحمدلله علي سلامتك ....
أفتقدناك .... وعايزين إبداعك .... والله ينور عوده قويه ... تحياتي ..
اشتقت كثيرا لكلماتك ولارائك القويه وعودا حميدا . مالك تستعجب الاحوال فى المستشفى الجامعى اذا كان هذا نفس الحال فى المستشفى الذى تعمل به واذا كان هذا حال كل المصالح التى من المفترض انها تخدم المواطنين فى الدولة . ياعزيزى انها امة ينخر فىكيانها السوس لايهم اى مسؤل فيها الا المنصب والجاه وعندما يصل لما يريده لماذا اذا يهمه غيره وياسيدى بكرة ربنا يفتح عليك من وسع وتفتح مستشفى وساعتها هنشوف هتفكر فى المرضى الغلابه ولا ايه اللى هيحصل.نجلا.
شكرا عزيزى بشمهندس هيثم ... وان شاء الله معا على الطريق .. نحو غد افضل
عزيزتى نجلا
اننى استعجب وتثار دهشتى كل يوم الاف المرات مع علمى الشديد باحوال هذا البلد
ولكن كل يوم اجد اهمالا شديدا وفسادا لم اعهده فى اليوم الذى يسبقه ...
كل يوم يحمل جديدا... ولكنه دائما جديدا مرا بطعم العلقم فى بلاد ايلة للانهيار
تقبلى تحياتى
مرحبا,,,,,,,
لقد أمضيت وقت لا بأس به في التجول بمدونتك
تقبلني زائرة مستمرة
ولكم جزيل الشكر
بسم الله و السلام عليكم
يا الله كلام رائع و معبر يروي واقعا مالما حقا ......
جزاك الله خيرا
دكتورة هند
ان مدونتى لتزداد شرفا بكى
فاهلا بكى فى مدونتى واهلا باارائكى وتعليقاتك
تقبلى شكرى واعتزازى
عزيزتى ندى
كلام رائع يعبر عن واقع اليم
انه كمن يغنى اغانى الحزن والبكاء على الاطلال
وما اصعبها من اغانى توجع القلب وتؤلم النفس
لكى تحياتى
دكتور صادق
ليت كل الأطباء يحملون هذا الحس المرهف الذي تحمله
لأنهم لو كانوا مثلك سيشعرون أو يهتمون بسؤال المريض عما يشعر به وما كان هذا هو الحال
المشكلة ليست في سوء الإدارة فقط ولكن في سلوك الطبيب الذي ألف منظر الألم والتوجع مما جعله لا يشعر بمن أمامه وهو يتوجع
تخيل أن يدخل طبيب غرفة الولادة ليقوم بتوليد سيدة وهو يحمل كيس شيبسي يأكله وتشاركه الممرضة
تخيل نظرات التأفف من المرضى نزلاء المستشفى الحكومي
ونظرات الحب والمودة للمرضى في المستشفى الإستثماري
أشيا وأشياء
لك مني كل تحية وتقدير
العزيزة انتصار
اوافقك تمام الراى فيما تدعين من سلوك بعض الاطباء المشين تجاه المرضى
وانا كطبيب لن ادافع عنهم لانهم من ابناء مهنتى بل ساضع الامور فى نصابها
ولقد عاصرت كثيرا من المواقف عندما عملت كطبيب امتياز فى جامعة المنصورة يندى لها الجبين خجلا
فعلى سبيل المثال لا الحصر رايت تعامل بعض اطباء النساء والتوليد مع المريضات من اتين لوضع حملهن فى مستشفيات الجامعة لضيق ذات يدهم... فكان بعض الاطباء يتعاملون معهم بلا انسانية وينادونهم ( يا حيوانة ) .. فكنت اتافف كثيرا من تعاملهم المشين هذا.. واحدث نفسى لماذا ينادونهم ويتعالمون معهم بهذا الشكل الوضيع .. الانهم فقراء لا يجدون ما يدفعونه فى مستشفى خاصظ ..
لم يخطر على بال احدهم ان احد تلك المريضات .. كان فى الامكان ان تكون اخته او امه او ابنته او احد قريباته..
ولكن يا سيدتى اود ان اطمئنك بان هذه الفئة الضالة من الاطباء لا تتعدى خمسة بالمائة من اطباء مصر الاخيار.. وان الاطباء فى مصر على احسن حال وعلى افضل اخلاق
سيدتى العزيزة انها ليست مشكلة اطباء.. انها مشكلة حكومة ملعونة لا تهتم بمرضى او اطباء.. فالطبيب فى بلادنا يعمل باقل الامكانيات الممكنة .. يشخص حالاته تحت اقصى الضغوط .. فلا فحوصات متوفرة.. ولا اجهزة اشاعة متيسرة.. ولا حضانات لرضع وافرة.. ولا مرتب مجز يهيا له عيشة كريمة فلا يضطر للعمل فى مستشفيات خاصة فيهمل عمله بالعمل الحكومى
سيدتى العزيزة ان الاطباء مجنى عليهم تمام مثل مرضاهم فى بلد لا تراعى ادمية مواطنيها على اختلاف تصنيفهم
شكرا لزيارتك ولكى كل التقدير
لقد طالت غيبتك ولكن عودتك جاءت اقوى من كل مره واتمنى الا تتكرر تلك الغيبه لاننا بانتظار ابداعاتك دائما ويعجز الكلام امام تلك المشاعر الانسانيه التى تفجرت فى تلك القصه التى كتبتها وصورتها بطريقة ادمت قلوبنا وجعلتنا نتحسر على الواقع الاليم الذى نحياه ونلمسه كل يوم فى كل المصالح الحكوميه
عوده موفقه يادكتور والى الامام دائما
مشاعرك حساسة ومرهفة يا دكتور وهذه هي الرحمة التي يجب ان تتوافر في قلوب الاطباء ادامها الله نعمة عليك.
فعلا مشاهد مؤلمة يقشعر لها البدن وبالذات عندما تكون لملائكة صغار .
ذكرني كلامك بموقف حصل معي عندما دخل في يدي زجاج سحاحة المعمل فاضطررت للذهاب لمستشفى الطوارئ.
ودهشت عندما دخلتها فالدماء على الارض وجرحى حادث ميكروباس متناثرون في كل مكان لا يابه بهم احد.
ثم ادخلتني الممرضة غرفة صغيرة جدا ودهشت عندما دخلتها فهي بالكاد تكفي الاسرة ولا يوجد فيها متسع للحركة بحرية وكانت الدماء في كل مكان وطبيب اخرفيها يخيط ارجل امراة كانت في الحادث وللاسف يصرخ في وجها اذا صرخت من الالم وكأن ليس من حقها حتى ان تتالم عنفها بشده باسلوب افزعني حتى ان الدكتورة عندما جاءت لتخيط يدي فكرت ان امشي وخفت على نفسي بل قل لم اقبل على نفسي ان يعاملني احد بمثل هذه الطريقة وخصوصا انها كانت تجبرني على الجلوس على السرير وقد غرقته الدماء وتتأفف لاني رفضت ذلك.
اسلوب غير حضاري ولكن الدكاترة ضحايا هذا النظام المتسيب في المشتفيات الذي جعلهم ينفجرون في وجه المرضى للاسف والظلم الذي وقع عليهم واهدار حقوقهم يطبقونه هم ايضا على غيرهم من غير ادراك . هذه حلقه مفرغة يدور فيها كل المجتمع .
الاسم: د.صادق الرخ
